علي بن محمد البغدادي الماوردي
132
أدب الدنيا والدين
المسيب : مرّ بي صلة بن « 1 » أشيم فما تمالكت أن نهضت إليه فقلت : يا أبا الصهباء أدع لي فقال : رغبك اللّه فيما يبقى وزهدك فيما يفني ووهب لك اليقين الذي لا تسكن النفس إلّا إليه ولا يعوّل في الدين إلّا عليه . ولما ثقل عبد الملك بن مروان رأى غسالا يلوي بيده ثوبا فقال : وددت أني كنت غسالا لا أعيش إلّا بما أكتسبه يوما فيوما فبلغ ذلك أبا حازم فقال : الحمد للّه الذي جعلهم يتمنون عند الموت ما نحن فيه ولا نتمنى نحن عنده ما هم فيه . وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : يقول ابن آدم مالي مالي وهل لك يا بن آدم من مالك إلّا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو أعطيت فأمضيت . وقال خالد بن صفوان : بت ليلتي أتمنى فكسبت البحر الأخضر والذهب الأحمر فإذا يكفيني من ذلك رغيفان وكوزان وطمران « 2 » . وقال مؤرق العجلي : يا ابن آدم تؤتى كل يوم برزقك وأنت تحزن وينقص عمرك وأنت لا تحزن تطلب ما يطغيك وعندك ما يكفيك . وقال أبو حازم : إنما بيننا وبين الملوك يوم واحد أما أمس فقد مضى فلا يجدون لذته وإنا وهم من غد على وجل وإنما هو اليوم فما عسى أن يكون . وقال بعض السلف : تعز « 3 » عن الشيء إذا منعته لقلة ما يصحبك إذا أعطيته . وقال بعض الحكماء : من ترك نصيبه من الدنيا استوفى حظه من الآخرة . وقال آخر : ترك التلبس بالدنيا قبل التشبث بها أهون من رفضها بعد ملابستها وقال آخر : ليكن طلبك الدنيا اضطرارا وتذكرك في الأمور اعتبارا وسعيك لمعادك ابتدارا « 4 » . وقال آخر : الزاهد لا يطلب المفقود حتى يفقد الموجود . وقال آخر : من آمن بالآخرة لم يحرص على الدنيا ومن أيقن بالمجازاة لم يؤثر على الحسنى . وقال آخر : من حاسب نفسه ربح ومن غفر عنها خسر . وقال أبو العتاهية :
--> ( 1 ) صلة بن أشيم : العدوي الصحابي ، من زهاد البصرة ونساكها توفي سنة 35 وقد جاوز ال - 100 . ( 2 ) طمران : ثوبان خلقان ، للارتداء والاتزار . ( 3 ) تعزّ : من التعزي ، أي احمل نفسك على الصبر ولا تجزع . ( 4 ) ابتدارا : أي مسارعة ، يقال : ابتدره وإليه وبادره إذا عاجله .